الثعالبي

369

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

روي عن ابن عباس ، أن هذه الآية محكمة ( 1 ) ، وفيها إجمال فسرته آية " المائدة " ، وأن قوله سبحانه : ( الحر بالحر ) يعم الرجال والنساء ، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل ( 2 ) . وقوله تعالى : ( فمن عفي له من أخيه شئ . . . ) الآية : فيه تأويلات : أحدها : أن " من " يراد بها القاتل ، و " عفي " : تتضمن عافيا ، وهو ولي الدم ، والأخ : هو المقتول ، و " شئ " : هو الدم الذي يعفى عنه ، ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابن عباس ، وجماعة من العلماء ( 3 ) ، والعفو على هذا القول على بابه . والتأويل الثاني : وهو قول مالك ، أن " من " يراد بها الولي ، وعفي : بمعنى : يسر ، لا على بابها في العفو ، والأخ : يراد به القاتل ، و " شئ " : هي الدية ، والأخوة على هذا أخوة الإسلام . والتأويل الثالث : أن هذه الألفاظ في معنى : الذين نزلت فيهم الآية ، وهم قوم تقاتلوا ، فقتل بعضهم بعضا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم ، ويقاصهم بعضهم من بعض بالديات على استواء الأحرار بالأحرار ، والنساء بالنساء ، والعبيد بالعبيد ، فمعنى الآية : فمن فضل له من إحدى الطائفتين على الأخرى شئ من تلك الديات ، وتكون : " عفى " بمعنى فضل . وقوله تعالى : ( فاتباع ) : تقديره : فالواجب والحكم : اتباع ، وهذا سبيل الواجبات ، كقوله تعالى : ( فإمساك بمعروف ) [ البقرة : 229 ] وأما المندوب إليه ، فيأتي منصوبا ، كقوله تعالى ، ( فضرب الرقاب ) [ محمد : 4 ] ، وهذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب ، وحسن القضاء من المؤدي . وقوله سبحانه : ( ذلك تخفيف ) إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة ، من أخذ الدية ، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم ، إنما هو القصاص فقط ، والاعتداء المتوعد عليه في هذه

--> ( 1 ) المحكم : هو ما لا يحتمل شيئا من ذلك ، وحكمه بثبوت ما انتظمه على اليقين ، ويرادفه المبين عند علماء الشافعية . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 2 / 110 ) برقم ( 2579 ) ، والبيهقي في " السنن " ( 8 / 39 - 40 ) ، وذكره ابن عطية ( 1 / 245 ) ، وأورده ابن عباس في " تفسيره " ( ص 93 / 52 ) وابن كثير ( 1 / 209 ) ، والسيوطي في " الدر " ( 1 / 316 ) ، وعزاه للنحاس في " ناسخه " . ( 3 ) ذكره ابن عطية في " التفسير " ( 1 / 245 ) .